ابو البركات
300
الكتاب المعتبر في الحكمة
النفس فيها وتستعد لقبولها ولصدور افعالها عنها وفيها وأحوال لا تكون بها كذلك والنفس كمال طبيعي للمستعد بآلاته من الأبدان على اشكال وأمزاج صالحة لذلك لا لغير المستعد منها ولذلك يقال عوض قولهم آلى ذو حياة بالقوة فيقولون كمال أول طبيعي لجسم ذي حياة بالقوة - وقد سمعت فيما يقال تقديما لقولهم لجسم على قولهم طبيعي حتى يكون قولهم هكذا النفس كمال أول لجسم طبيعي آلى وهو اما غلط في النقل واما مقصود به هذا المعنى المذكور لا غير فإنه لم يقل طبيعي في الجسم ليتميز بذلك عن جسم آخر غير طبيعي كما يظن أو يتوهم حيث يقال إن الجسم منه طبيعي ومنه تعليمي فان التعليمي وهمى لا وجودي والموجود منه لا يختلف في الجسمية وليس يوجد جسم خال من طبيعة حتى يكون بعض الأجسام طبيعيا وبعضها غير طبيعي . وقال قوم آخرون من القدماء في حد النفس انها جوهر غير جسماني محرك للبدن ويعنون بغير الجسماني انها ليست بجسم ولا مما هو متقوم في وجوده بالجسم كالاعراض بل له امكان وجود بنفسه مع مفارقة الجسد الا ان القول الأول اعرف واشهر فان الكثير بل الأكثر من الناس يقرون بأن للانسان نفسا موجودة لا يعلم هل هي جوهر أو عرض وهل هي جسمانية أو غير جسمانية وانما يعلم أنها محركة البدن فقط وإذا لم يعلموا ذلك فليس يعنونه في تسميتهم وانما يحتاج ان يبين ذلك لهم بالبراهين والحجج . وأقول ان الالفاظ انما يستعملها الناس في مفاوضاتهم كل بحسب ما يعنيه وليس يعنى أحد بلفظه ما لا يتصوره ويفهمه بذهنه وما من أحد يقول نفسي ونفسك في مفاوضة ويشير به الا إلى ذاته وحقيقته فإنه يقول فرحت نفسي وتألمت نفسك ولا فرق عنده بين ذلك وبين ان يقول فرحت وتألمت وكذلك يقول علمت نفسي وجهلت كما يقول علمت وجهلت بل لا فرق عنده بين ان يقول نفسي وذاتي وبين ان يقول انا وكلما يقولون فيه لشئ نفسه فإنما يعنون به حقيقته وذاته وكما يقولون إن نفس البياض يضاد نفس السواد ولا يريدون